ابن أبي الحديد
146
شرح نهج البلاغة
الشرح : بادروا آجالكم بأعمالكم ، أي سابقوها وعاجلوها . البدار : العجلة . وابتاعوا الآخرة الباقية بالدنيا الفانية الزائلة . وقوله : ( فقد جد بكم ) أي حثثتم على الرحيل ، يقال : جد الرحيل ، وقد جد بفلان ، إذا أزعج وحث على الرحيل . واستعدوا للموت ، يمكن أن يكون بمعنى ( أعدوا ) ، فقد جاء ( استفعل ) بمعنى ( أفعل ) كقولهم : استجاب له ، أي أجابه . ويمكن أن يكون بمعنى الطلب ، كما تقول : استطعم ، أي طلب الطعام ، فيكون بالاعتبار الأول ، كأنه قال : أعدوا للموت عدة ، وبمعنى الاعتبار الثاني كأنه قال : اطلبوا للموت عدة . وأظلكم : قرب منكم ، كأنه ألقى عليهم ظله ، وهذا من باب الاستعارة . والعبث : اللعب ، أو مالا غرض فيه ، أو مالا غرض صحيح فيه . وقوله : ( ولم يترككم سدى ) ، أي مهملين . وقوله : ( أن ينزل به ) موضعه رفع لأنه بدل من ( الموت ) ، والغائب المشار إليه هو الموت . ويحدوه الجديدان : يسوقه الليل والنهار ، وقيل : الغائب هنا هو الانسان يسوقه الجديدان إلى الدار التي هي داره الحقيقية ، وهي الآخرة ، وهو في الدنيا غائب على الحقيقة عن داره التي خلق لها . والأول أظهر . وقوله : ( فتزودوا في الدنيا من الدنيا ) كلام فصيح ، لان الامر الذي به يتمكن المكلف من إحراز نفسه في الآخرة ، إنما هو يكتسبه في الدنيا منها ، وهو التقوى والاخلاص والايمان . والفاء في قوله : ( فاتقى عبد ربه ) ، لبيان ماهية الامر الذي يحرز الانسان به نفسه